|

هولندا- خميس قشة
الحزامي
24-02-2010
--------
تتعرَّض
الأقليَّة المسلمة بأوروبا لحملة عدائيَّة منظَّمة منذ
هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 المروِّعة وما تبعها من
أحداث عنف ضربت مجتمعاتٍ غربيةً مثل إسبانيا وبريطانيا
نسبت كلها للمسلمين، وشُنَّت على إثرها (الحرب على
الإرهاب) التي أعلنها بوش ودعمتها تصريحات البابا "بنديكت
السادس عشر"، مما شجع اليمين المتطرف في عموم أوروبا على
إطلاق حملات عدائية للإسلام بدأت بالصور المسيئة للرسول
الكريم بالدنمارك والنرويج، مرورًا بفرنسا التي منعت
ارتداء الحجاب في المدارس والمعاهد، وتبعتها بلجيكا السنة
الماضية، ثم إقرار قانون يقضي بحظر النقاب في الأماكن
العامة في عديد من الدول الأوروبية، وكان أشد هذه الحملات
ما شهدته هولندا على يد زعيم حزب الحرية "جيرت فيلدرز"
صاحب فيلم "فتنة"، الذي شبه الإسلام بالنازية ووصف النبي
محمد بأنه قائد حرب همجي، ووصلت به الإثارة أخيرًا بمطالبة
البرلمان الهولندي بسنّ ضريبة سنويَّة على المتحجبات تقدر
بـ 1000 يورو تخصص لدعم حرية المرأة، ثم وصول الأمر إلى
قانون حضر المآذن بسويسرا، الذي باركته ورحبت به أحزاب
اليمين المتطرف وطالبت بتعميمه على كامل الدول الأوروبية.
أجندة مشبوهة
إن برامج
الأحزاب اليمينية منحصرٌ في الغالب في إشاعة الخوف
والسلبية تجاه المسلمين في المجتمعات الغربية، ولم تلامس
مشاريعهم واهتماماتهم المشاغل اليومية للمجتمع (مثل الأزمة
الاقتصادية الأخيرة، وغيرهما من القضايا الهامة) مما جعل
المواطن الأوروبي يشكِّك في أجندة هذه الأحزاب، فمثلًا ما
طرحه فيلم "فتنة" الهولندي -والذي استمرت الدعاية له أكثر
من سنة في توظيف سياسي واضح- جعل الأوروبيين في شوق إليه،
إلا أن خيبة أملهم كانت كبيرة عند مشاهدتهم للفيلم الذي
يطرح قضية لا علاقة لها باهتماماتهم لا من قريبٍ ولا من
بعيد، بل يحكي عن اضطهاد وإرهاب المسلمين لليهود، في حين
أن الصورة التي تأتي يوميًّا من الشرق الأوسط هي نقيض ما
يروِّجُه ويدَّعِيه الفيلم.
فَزَّاعة وهمية
هذه الأحزاب
اليمينية مستاءة من تنامي الوجود الإسلامي في الغرب، خاصةً
بعدما بدأت الأقلية المسلمة تكسر الحاجز بينها وبين شرائح
المجتمع الأوروبي من خلال اندماجها وتعايشها وانفتاحها على
كل مكونات المجتمع، كمواطنين أوربيين يخدمون أوطانهم،
يهمهم أمنها واستقرارها دون أن يبخلوا على نصرة القضايا
العربية الإسلامية العادلة، فخرجوا في مسيراتٍ واحتجاجات
مع الآلاف الأوروبيين للتنديد بحرب العراق، وتضامنوا مع
الفلسطينيين بمظاهرات مستنكِرة للمذابح التي ترتكبها
إسرائيل بحق شعب أعزل في فلسطين، ساندها العديد من
الشخصيات الأوروبية المرموقة، وأعلنوا خلالها مضاعفة
الضغوط السياسية لإجبار إسرائيل على الالتزام بالقانون
الدولي، وطالبوها بوقف بناء المستوطنات على الأراضي
الفلسطينية المحتلة، وهدم الجدار الذي تبنيه في الضفة
الغربية، وهذا هو جوهر هذه الأجندة؛ فاليمين يرغب أن يبقى
دور المسلمين هامشيًّا لا يؤثر في مجريات الأحداث، وخاصة
في القضية الفلسطينية.
إن ما
يدَّعِيه اليمين من أسلمة أوروبا أو ارتباط الأقلية
المسلمة بأجندات خارجية ما هي إلا تهم تقوم على أفكار
وهمية لا أساس لها من الصحة، وهي فزاعة يستخدمها بعدما خفت
وهج الحرب على الإرهاب، ولو خُيِّرت الأقلية المسلمة في
الغرب بين الالتحاق بالعالم الإسلامي الذي يرزح بين الفقر
والظلم والاستبداد وغياب الديمقراطية والحريات العامة أو
البقاء في الدول الغربية لاختارت البقاء في أوطانهم
الأوروبية؛ لما تمتاز به من حرية وعدل ورفاهية.
الردّ العقلاني
من المهمّ أن
ندرك خطورة أجندة اليمين المتطرف، وألا نترك له فرصة
الإيقاع بيننا وبين محيطنا ومجتمعنا، إن الغرب ليس كله
يمينًا متطرفًا، ولكن ما يمتلكه اليمين من إمكانيات
إعلامية ومالية وما يتلقاه من دعم خارجي وتغلغله في مواقع
مؤثرة يعطي انطباعًا على أنه قوة شعبية, لذلك ينبغي أن
تكون ردودنا مدروسةً وهادئة، وأن نتصدى لمثل هذه المواقف
والإساءات بانتهاج الطرق القانونية التي تكفُل حرية
المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، ونتجنب ردود الفعل
المتشنجة والمتهوِّرة التي يوظِّفها اليمين في حملته لجرِّ
الأقليات المسلمة إلى معارك جانبية، فتعمَّد اليمين إشعال
هذه الحرائق في أقطار أوروبية مختلفة وفي أوقات متتالية
لينحصر دورُنا في وظيفة رجل الإطفاء الذي يترك كل شيء
وينشغل بإطفاء الحريق المندلع هنا وهناك.. مفوتًا على
المسلمين المساهمة في خدمة وتنمية المجتمع وتطوير المؤسسات
التربوية والثقافية والإعلامية؛ لتخرِج جيلًا أوروبيًّا من
الإطارات والكوادر مفيدًا لنفسه ومحيطِه..
¤¤¤¤¤¤¤¤¤ |