الحرب على النقاب والحجاب

عبدالباقي خليفة -  خاص "حماسنا"

تمر النساء والفتيات المسلمات المحجبات والمنقبات بفترة عصيبة للغاية في تونس وبعض الدول الأوروبية ، مثل فرنسا وبلجيكا وعدد من الدول الأخرى . الأمرالذي يدفع الكثيرين للتساؤل عن هذا التناغم العجيب بين دولة تزعم الانتماء العربي الاسلامي ، مثل تونس ، ودول تزعم التجذر في الديمقراطية واحترام حقوق الانسان مثل فرنسا وبلجيكا . وصل في الأولى إلى حد الاعتداء بالعنف على النساء والفتيات ، وطردهن من المعاهد والكليات ومقار العمل ، وفي فرنسا وبلجيكا إلى إصدار قوانين تمنع ارتداء اللباس الاسلامي ، وتغرم الملتزمات به ، وتنزع الجنسية من أزواج المحجبات والمنقبات ؟!!!

 

حملات مستمرة في تونس :

تواصل السلطات التونسية حربها على الحجاب في المراكز التعليمية وغيرها فقد قامت إدارة المعهد الثانوي بالشابة في شهر مارس الماضي بحملة ضد الطالبات المحجبات لا تزال مستمرة . وأجبرت المسؤولة في المعهد فوزية بسباس ، بالتنسيق مع المدير ، الطالبات على احضار أولياء أمورهن للتوقيع على تعهد بعدم ارتداء الحجاب . قبل ذلك تعرضت الطالبة ، تقوى حسني ، سنة رابعة رياضيات ، بمنطقة الحرايرية ، العقبة ، بتونس العاصمة ، لاعتداء آثم من قبل مدير المعهد ، وعناصر الشرطة . وقد طال العدوان الذي تشنه السلطات في تونس ضد المحجبات حتى غير التونسيات ، ممن يأتين لزيارة تونس ، حيث اشتكى الكثير من الزوار العرب المسلمين من مضايقة السلطات لهم بسبب الحجاب واللحية ، وبعض الطلبة الملتحين والمتزوجين من محجبات ، الذين سجلوا رسائل ماجستير ودكتوراة  استعانوا بسفارات بلدانهم التي زودتهم ببطاقات قنصلية لتجنب المساءلة في الشارع وفي مراكز الشرطة ، وبينهم أحد القراء المشهورين من المملكة العربية السعودية .

تونس تدشن الحرب ضد الحجاب والنقاب :

لم تكن الإجراءات العنصرية المعبرة عن روح الكراهية في بعض الدول الاوروبية كفرنسا وبلجيكا أن  تبلغ مداها ، والمتمثل في قوانين منع النقاب ، ومضايقة المحجبات ، لولا العدوان الذي تشنه السلطات التونسية منذ عدة عقود ضد شعيرة اسلامية أجمع على وجوبها الأئمة الأربعة ، أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل . فما حدث ويحدث في تونس ، كان الأساس الذي بنى عليه العنصريون واليمينيون المتطرفون في بعض الدول الأوروبية جدران الكراهية التي يقيمونها في وجه المسلمين وعلى أكثر من صعيد . ففي 28 يناير الماضي أعلن وزير الداخلية الايطالي روبرتو ماروني ، أن البرلمان يدرس فرض حظر على ارتداء النقاب ، على غرار فرنسا ( فرنسا على غرار تونس ) معتبرا النقاب يمثل تهديدا للأمن في ايطاليا ، على حد تخرصه . وأردف " النقاب يمثل تهديدا للأمن وعندما يدخل أحد إلى مصرف أو مؤسسة عامة وهو يرتدي نقابا من قمة الرأس حتى أخمص القدمين فمن المنطقي بالنسبة لي أن أنظر إلى الأمر من منطلق أمني " لكن ذلك ليس هو المبرر الموضوعي لرفض النقاب ، فبامكان السلطات الايطالية أن تمنع دخول من يغطي وجهه إلى البنوك ، ولا يحتاج الأمر إلى المنع التام ومصادرة حق التعبير وحرية المعتقد . ولكن الدافع الحقيقي هو ما ذكره في موضع آخر من تصريحاته في نفس اللحظة ما يعتبره رفضا للذوبان في طريقة الحياة في بلده " ارتداء النقاب قد يكون الاشارة الأولى لرفض المسلمات تقاليد وعادات البلد المضيف ، ورفضهن الاندماج فيه " فماذا لو فرضت بعض الدول الاسلامية التي يرتدي أغلب نسائها النقاب ، الحجاب على بنات بلده والنساء الغربيات اللاتي يعملن أو يقمن أو يزرن الدول الاسلامية ؟!!!

 

فرنسا المحرض الأكبر على الحجاب في تونس :

ليبررالعنصريون والرافضون للتعدد الثقافي ، والعاملون على تكريس المركزية الغربية في العالم ، وتجريد الشعوب والأمم من خصوصيتها الثقافية ، يعملون على غرس ما يعملون على تعميمه في الدول المستهدفة  ، مثل تونس ، والتي يعدونها منذ فترة طويلة لتكون نموذجا لبقية الدول العربية ، ولا سيما فيما يتعلق بالصورة التي ينبغي أن تكون عليها المرأة . ومن ذلك قمع التوجهات الاسلامية للمرأة ، حتى إذا انتقلت الحرب إلى دول أوروبية تكون الحجة أن هذه المظاهر تحارب في منابعها الأصلية ؟!!!

وهذا ما قاله الناطق باسم الخارجية الفرنسية ، برنار فاليرو، من أن الاجراءات الاستبدادية الظالمة " لا تخص فرنسا وحدها " وأن الحجاب والنقاب " يثير أيضا نقاشا في الدول الاسلامية " وكلمة نقاش التي تفيد الحوار بين جميع الاطراف المعنية ، يخفي حقيقة ما يجري سواء في بعض الدول الاسلامية التي عاناها مثل تونس ، من قهر وظلم وتسلط مقيت . فحظر النقاب في بلجيكا نهاية أبريل الماضي ، وتغريم الشرطة الفرنسية لامرأة مسلمة منقبة في نفس الفترة ، لم يخضع لأي نقاش ، بل كان موقفا سياسيا وثقافيا من التعدد والتعايش والسلام . ولا بد من العودة قليلا ، فبعد تونس بدأ الحراك العنصري ضد الحجاب والنقاب في فرنسا ، من خلال مطالبة " لجنة برلمانية " فرنسية في شهر مارس الماضي بما وصفته بتحرك حكومي لمنع ارتداء النقاب داخل المدارس والمستشفيات ووسائل النقل العام والمكاتب الحكومية ، وهو ما تم بالضبط ويحدث حاليا في تونس . وكما هو الحال في تونس فقد تم البحث عن مبررات واهية لإعطاء صبغة " منطقية " لتلك السادية الثقافية ، بل تم ربط الحجاب والنقاب بالارهاب ، وهي مقدمة للعدوان على شعائر الاسلام الأخرى ، كالصلاة والصوم مثلا . وذلك ما حدث في الولايات المتحدة ، عندما تم اعتقال مجموعة من الشباب كانوا يصلون في مكان عام ، في وقت سابق من هذا العام . وفوبيا الحجاب والنقاب ، عمت الكثير من الدول مثل اسبانيا والتي شهدت حالات طرد لفتيات محجبات منذ بداية الألفية الثالثة التي قيل إنها ألفية الاسلام في أوربا وفق المستشرق المعروف ، برنارد لويس . وفي فرنسا أقحم الشارع وأدخلت الحقوق الأساسية للانسان في المزاد ، وخضعت بشكل كامل للمزاجية ، من خلال استفتاء يشك في مصداقيته ، وهو ما يمثل تهديدا حقيقيا للمكاسب الانسانية التي تحققت بعد عصور الظلام في أوربا . كما لو أن القرون الوسطى أخذت طابعا مغايرا في عصرنا ، وهو ما نادى به البعض منذ فترة ، وهي الدعوة لعصور وسطى علمانية . فالحرب التي تستهدف بضعة ميآت من النساء المنقبات ، أي نحو 400 في فرنسا و150 في بلجيكا على سبيل المثال ، من أصل نحو 70 مليون ساكن ، يدل على انحدار عميق في بنية الأفكار التي تقود في الغرب ، وتحديدا فرنسا والدول التي على شاكلتها . وقد بدا واضحا أن نظام تونس وعلى مدى العقود الماضية ، كان ينفذ مخططا فرنسيا ضد الحجاب في تونس غلفها بحجج واهية لم تصمد أمام التدقيق والنقد ، ولن تصمد لأنها بنيت على خواء .

قوانين ظالمة بشهادة أهلها :

ليس " المسلمون " وحدهم من اعترض على القوانين الجائزة في فرنسا وبلجيكا وايطاليا وغيرها . ولا بالممارسات العنصرية ضد المحجبات في اسبانيا وألمانيا والنمسا وغيرها ، بل هناك من من الأوروبيين من رأى في ذلك ظلما واجحافا بحق الانسان في اختيار اللباس الذي يرتضيه . ومن ذلك ما قاله الاستاذ بجامعة مونبيلي ، دومينيك روسو،" إن أي قانون يسن لحظر النقاب سيكون ظالما وغير قابل للتطبيق العملي " واتهمت صحيفة نيويورك تايمز الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ، بتأجيج مشاعر الكراهية في بلاده عندما لم يعترض على توصية برلمانية بحظر النقاب في الأماكن العامة . وحذر روسو من أن القانون " سيكون ظالما لأنه لا يفرق بين من تلبس النقاب مثلا لقناعات دينية ، ومن تلبسه تلبية لطلب أزواجهن أو إخوانهن أوالأئمة " واعتبر روسو الخلط بين قضية النقاب وبين ما يدور من نقاش في فرنسا حول الهوية الوطنية بأنه أمر خطير للغاية " مؤكدا على أن ذلك من شأنه إثارة المخاوف والضغائن والأحقاد . وطالب روسو بعدم التعرض للمحجبات . وبعيدا عن الاحتجاجات الاسلامية في مختلف أنحاء العالم ، على الاجراءات الظالمة ، حيث عبرت منظمات الدفاع عن حقوق الانسان عن استيائها ، وقالت منظمة العفو الدولية إن الحظر ليس ضروريا ولا متوازنا " وإنه ينتهك الحق في حرية التعبير والمعتقد لدى النساء اللواتي اخترن التعبير عن هويتهن أو عقيدتهن بهذه الطريقة " وأكدت ، جوديت سندرلند من منظمة هيومن رايتس ووتش أن حظر النقاب " ينتهك حقوق اللواتي اخترن ارتداءه ولا يساعد في شئ المرغمات على لبسه " حسب تخرص البعض .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  
 

             www.Hamasna.com

   انطلق موقع حماسنا عام 2003 وقام بـ43 حملة إلكترونية وصحفية .. وتخصص في تغطية بعض القضايا والأحداث وأسس عدة مواقع وحملات.