البرلمان التركي

حجاب تركيا.. ماذا بعد؟

إسلام تايم – سارة كمال - حماسنا

-----------

 

بعد ربع قرن من حظره في الجامعات التركية عاد الحجاب من جديد باعتباره حقا مشروعا بعد أن ظل لسنوات طويلة تهمة يعاقب عليها القانون التركي.

وكان البرلمان التركي قد وافق  بأغلبية 414 صوتا في مقابل 103 صوتا على تعديل مادة دستورية تقضى  بالمساواة بين أفراد الشعب التركي ، وحق الجميع في الحصول على التعليم الجامعي   وهو ما يؤدى إلى إلغاء الحظر على ارتداء الفتيات للحجاب في الجامعات الحكومية.

 

المعلوم أن حظر الحجاب فرض منذ ثمانينات القرن الماضي بقرار من السلطة القضائية واسعة النفوذ ، والتي تستمد منها النخبة العلمانية – إلى جانب الجيش - قوتها ونفوذها و بقائها .

ورغم الاحتفاء الكبير بالقرار من جانب حزبي العدالة والتنمية الحاكم في تركيا ، و الحزب القومي ذوى الأغلبية البرلمانية و الشعبية ، إلا أن مظاهرات عارمة اجتاحت الشوارع التركية للتنديد بالقرار قبل ساعات من قيام  الرئيس التركي " عبد الله جول  "الموافقة النهائية عليه .

 

- ووصفت الأوساط العلمانية  - التي قدمت نقضا لدى المحكمة الدستورية -القرار الدستوري "بالمناوئ" للمبادئ العلمانية  وأكدت أنه يمثل تهديدا للنظام العلمانى القائم في تركيا منذ عشرينات القرن الماضي و توعدت الكثير من الجهات العلمانية " بثورة سوداء" تعصف بالأجواء التركية القائمة و تطيح بحزب العدالة و التنمية الحاكم الذي يسعى  بخطى حثيثة نحو إلغاء النفوذ الواسع للعلمانية في تركيا و إقرار الشريعة الإسلامية و مبادئها في تلك الدولة التي يرتدى أكثر من  ثلثي نسائها  الحجاب!

 

- الملاحظ أن قلق العلمانييين في تركيا بلغ قمته منذ دخول جول وزوجته المحجبة إلى  القصر الرئاسي العام الماضي، فمسألة الحجاب تحديدا تأخذ بعدا سياسيا بالدرجة الأولى حيث يرتبط في أذهان العلمانيين دائما  بقيام الدولة الإسلامية و تطبيق الشريعة الإسلامية التي قضى عليها أتاتورك بقبضة من حديد منذ عام 1925 و بشر بدولة  " أوروبية "جديدة قائمة على سيادة اللادين و اللاهوية .

 

- كل هذا جعل الحجاب دائما يشكل هاجسا قويا في الأذهان باعتبار الموافقة على ارتدائه في المؤسسات الحكومية  آذانا بقرب انتهاء النفوذ العلمانى فى تركيا  و قيام الدولة الإسلامية " المتشددة" التي ربما ستماثل الدولة الإيرانية أو حتى الأفغانية  كما يدعى البعض!! .

وينتظر الكثير من الخبراء ردة فعل عنيفة من الجيش التركي حال الموافقة النهائية المؤكدة للرئيس التركي " عبد الله جول " على التعديلات الدستورية الأخيرة حيث تتدخل  السلطة العسكرية دائما لمواجهة أية تحركات إسلامية فى تركيا.

ففى عام  1997 أطاح الجيش بحكومة نجم الدين أربكان – زعيم حزب الرفاة – بسبب توجهاته الإسلامية و سعيه لتطبيق بعض مبادئ الشريعة الإسلامية.

 

 

وتتحرك المؤسسة العسكرية دائما معتمدة على نفوذها البالغ  الكبير فى المؤسسات التشريعية والقضائية، والأخطر من ذلك – حسبما يقول البعض – هو اعتمادها على بعض العناصر المتطرفة التى يمكن أن تقوم ببعض الأعمال " القذرة " من اغتيالات وتصفيات لبعض العناصر و الرموز السياسية التى تقف عقبة فى طريق المؤسسة العسكرية ( وهو الأمر الذى حدث بالفعل حينما تعرض الرئيس جول لمحاولة اغتيال فاشلة أثناء الانتخابات الرئاسية التركية ، و قبل أيام قلائل من تنصيبه رسميا على كرسى الرئاسة التركية ) و وذلك بالاضافة الى عدد من الأعمال " القذرة " الأخرى التى يقوم بها الجيش فى الخفاء ضد عناصر حزب العمال الكردستانى وكافة الأحزاب ذات الصبغة الإسلامية أو المعارضة للتدخل العسكرى فى كل شئون الحكم فى تركيا .

 

- من جانبهم فإن العلمانييين  المعارضون لرفع الحظر المفروض على الحجاب فى تركيا يعتمدون بالاساس على قرار المحكمة الأوروبية الصادر عام 2001 بعدم تطبيق مواد الشريعة الإسلامية فى الدول الأوروبية نظرا لاختلاف الشريعة الإسلامية عن العادات والتقاليد الأوروبية ، وهى تلك الخطوة التى أعقبها قيام العديد من الدول الأوروبية باستصدار قرارات  لتشديد الحظر على الحجاب .

 

 

تابوه علمانى

ولكن يبقى الوضع التركى أكثر اختلافا ، فالدولة التركية ليست أوروبية  ويؤكد الكثيرون أن الاتحاد الاوروبى لن يقبلها  فى عضويتيه بحال نظرا للقاعدة الإسلامية المتجذرة فى الشعب التركى وهو الأمر الذى يحاول العلمانيون التظاهر بعدم وجوده و التشدق بالعلمانية " القحة " للدولة التركية و تمسكها بالقواعد الليبرالية ، لذلك تأتى مسألة الحجاب لتشكل مقوضا حقيقيا فى سبيل اظهار الثوب العلمانى للدولة التركية لعل البرلمان الأوروبى يوافق على انضمامها لركب الدول الأوروبية كما وافق مؤخرا على انضمام دولا أخرى أكثر تخلفا فى شرق اوروبا !!

 

وعلى كل ، برغم هذه المخاوف الكبيرة من عمليات تصفيات للرموز الإسلامية فى تركيا  أو إطاحة بحزب العدالة والتنمية الحاكم إلا أننا يمكن أن نقول إن خطوة غير مسبوقة اتخذت لإقرار الحريات المدنية فى تركيا وبالأخص حرية ارتداء الحجاب الذى شكل " تابوها " سياسيا محظور النقاش فيه لمدة طويلة ، كما أن الأجواء ليست بالغة القتامة بل تنذر بتغييرات تدريجية فى اللعبة السياسية التركية والتى ربما تتجه نحو القضاء على النفوذ العلمانى البالغ فى تركيا يوما ما بعد عقود طويلة من السيطرة على مقاليد الحكم فى الدولة التى كانت يوما  إمبراطورية إسلامية مهيبة يخشى جانبها و يعمل لها ألف حساب و حساب !! .

 

 

 

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤