|

ثلث نساء
تركيا يرتدين الحجاب
حجاب تركيا
مريم سالم
– البيان - حماسنا
-------
المفارقات تظل تحكم السياسة وبخاصة في الدول التي تترك
ثوابتها في محاولتها للتنصل من تهمة التخلف والرجعية،
ويبدو أن ما يراه أتاتورك في حجاب المرأة
رجعية سافرة
قد يراه رجل تركيا الحالي عبد الله غول ورئيس وزرائه
أردوغان
تقدمية وحرية،
فمع إعلان تركيا العلمانية على يد أتاتورك
توازت معه ثورات ضد كل ما يمت إلى الشكل القديم لتركيا،
ابتداء من استبدال المبادئ الإسلامية بأعراف قومية علمانية
واستبدل الكتابة من العربية إلى اللاتينية، إلى جانب ثورته
ضد الزي التركي التقليدي والتي عرفت ب«قيافة دوفرمة» وتعني
ثورة القيافة والتي تدعو الرجال إلى ارتداء القبعة وإلغاء
ارتداء الطربوش والطاقية.
-
وتفرض على المرأة العاملة بدواوين الدولة والحكومة
والمدرسة والجامعة ارتداء التنورة الطويلة والبلوزة أو
الجاكيت، وبالتالي أصبح الحجاب بصورته الشرعية مخالفًا
لقانون القيافة الذي يعدُّه علمانيو تركيا من الإنجازات
والمكتسبات والثورة الاجتماعية التي أتى بها أتاتورك للشعب
التركي.
ومع إعلان «غول وأردوغان» عن نيتهما رفع حظر الحجاب أثارت
هذه الخطوة جدلاً كبيراً في المجتمع التركي الذي عاش
عقوداً طويلة في ظل النظام العلماني الذي يعتبر وضع الحجاب
بمثابة إشارة انتماء إلى الإسلام السياسي، كما اتهم حزب
العدالة والتنمية الذي ينتميان إليه بالسعي إلى تقويض مبدأ
فصل الدين عن الدولة، بل إن
المحكمة الإدارية العليا
في
تركيا قد حذرت من محاولات رفع الحظر...
واعتبرت أن هذا الإجراء يتعارض مع أحكام قضائية سابقة في
الصدد نفسه، لدرجة قد يدمر معه ما تصفه
بـ«السلم
الاجتماعي»، ولا يزال التاريخ يحفظ إطاحة الجيش بحكومة حزب
الرفاه التي سيطر عليها الإسلاميون عام 1997، والتي أعقبها
فرض عدم ارتداء الحجاب في الجامعات وقوانين أخرى منعت
ارتداءه في الدوائر الحكومية أيضاً، بل لعل «غول» نفسه قد
تعرض إلى الكثير من العراقيل التي كانت ستمنع ترشحه لمنصب
الرئيس بسبب خلفيته الدينية، فضلاً عن ارتداء زوجته الحجاب
والتي كلفت مصمماً عالمياً لابتكار حجاب يليق بمنصب زوجها.
ويعد الحجاب
من وجهة نظر كثير من النساء التركيات المحجبات،
ليس قطعة قماش تغطي الشعر فحسب،
وإنما هو موقف وقضية سياسية، وذهبن في تحدٍ صريح ضد صنّاع
القرار الذين يرون فيه تناقضاً مع علمانية الدولة، فوفقاً
لدراسات غير رسمية فإن نسبة 70 في المئة من النساء
التركيات محجبات.
والكثير منهن فضلن الاحتفاظ بحجابهن على استكمال مشوارهن
التعليمي الجامعي، بل لم يقف هذا الحظر في وجه استكمال
تعليمهن في الخارج خاصة في أذربيجان حيث تنتشر اللغة
التركية، كما أن بنات رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان اضطررن
للدراسة في جامعات بالولايات المتحدة، أما البعض فيتحايلن
بخلع الحجاب أمام أبواب الجامعات والمؤسسات الرسمية، حيث
تقف النساء كل صباح في مشهد يتكرر مئات المرات يومياً
ليخلعن حجابهن وعند الخروج من الجامعة أو العمل يعدن وضعه
على رؤوسهن.
- وتلقى المرأة التركية المحجبة تعاطفاً كبيراً
من قبل المجتمع وبخاصة الجمعيات الحقوقية بسبب التضييق
الذي يمارس ضدها، ورغم ذلك تظل شعارات مثل «تركيا علمانية
وستبقى كذلك» و«فلتستقل الحكومة» و«كلنا جنود أتاتورك»،
يرفعها ويرددها المتظاهرون والمعارضون لرفض التغييرات التي
ستأتي مع رفع الحظر عن الحجاب.
والتي يمكن أن تؤدي إلى تحول تدريجي لماهية تركيا
العلمانية وأسلمتها في النهاية ...
- ويميل العلمانيون إلى
اعتبار الحجاب تهديدا لإصلاحات التحديث
التي جلبها مصطفى
كمال أتاتورك الذي أخرج الدين من الحياة العامة في
العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي عند إعادة بناء
تركيا من بين أنقاض الإمبراطورية العثمانية. ويعتبرون أن أي تخفيف للحظر سيحول تركيا إلى إيران أخرى،
وهذا ما استشعره أردوغان نفسه الذي دعا قبل انطلاق
المظاهرات إلى تهدئة مخاوف العلمانيين من أن رفع الحظر عن
ارتداء الحجاب سيؤدي بمرور الوقت إلى ضغوط شديدة على غير
المحجبات لارتداء الحجاب.
ولعل الأبعاد السياسية لقضية الحجاب تتجاوز في حقيقة الأمر
المعارض والمؤيد، وتتلخص في أن الحكومة التركية مطالبة
بتحقيق إصلاحات سياسية لتحقيق الهدف الاستراتيجي الخاص
بالعضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي الذي اختارته، ففي
تصريح لوزير الخارجية التركي «علي باباجان» قال إن بلاده
يجب أن تلغي حظراً على ارتداء الحجاب في الجامعات، في إطار
إصلاحات ديمقراطية تستهدف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.
وأضاف أن الحكومة التركية تريد توسيع نطاق الحريات
لتحويل تركيا إلى دولة ديمقراطية من الطراز الأول، حيث
يتمتع الجميع بحريات كاملة في كل المجالات، وأن الضجة
المثارة حول قضية الحجاب والتوتر المتزايد بشأنها
يشوهان صورة تركيا.
ومن المخاوف التي يمكن أن تعترض تحقيق موافقة من قبل
البرلمان التركي لتمرير المشروع الإصلاحي الذي ينهي حظر
ارتداء الحجاب في الجامعات، هو الضغط الذي يمكن أن تمارسه
الأوساط المدافعة عن التطبيق الصارم لمبادئ العلمانية، ولا
سيما في صفوف الجيش والقضاء وإدارة الجامعات.
-
ورغم أن حزب العدالة والتنمية والحركة القومية الذي يدعم
الإصلاح يمتلك أغلبية الثلثين في البرلمان اللازمة لإقرار
هذا التعديل، إلا أن المؤسسة العسكرية التركية التي تعتبر
نفسها «حامية العلمانية» والتي أطاحت بأربع حكومات منتخبة
ديمقراطياً في الخمسين عاماً الماضية، من المرجح أن تلعب
دوراً ما في عرقلة هذه الموافقة، بخاصة وأنها سبق وأن لعبت
دوراً حين أعربت عن اعتراضها على ترشيح «غول» نفسه
باعتباره «إسلامياً متديناً يتبنى أجندة سياسية إسلامية».
-
ورغم أن «غول» يظل ينفي هذا بقوله إن ولاءه الأول لدستور
بلاده العلماني، مذكراً شعبه بتجربته في وزارة الخارجية
والذي استطاع على مدى أربعة أعوام الترويج للإصلاح
الديمقراطي، وإدخال تركيا حظيرة الاتحاد الأوروبي، على أن
هذا لم يبدد مخاوف العلمانيين من أن سيطرة حزب العدالة
والتنمية على الرئاسة والبرلمان ستعني أنه قد يدفع باتجاه
تعديلات دستورية تهدد علمانية الدستور التركي.
-
وفي ظل هذه التوترات استطاع الحزب الحاكم أن يحظى بتأييد
حزب الحركة القومية ثالث اكبر الأحزاب الممثلة في البرلمان
التركي منذ فترة طويلة لتخفيف حظر الحجاب لأنه، مثل حزب
العدالة والتنمية، يعتبر أن من بين مؤيديه الكثير من صغار
رجال الأعمال المحافظين دينياً ومن المزارعين في ريف تركيا
حيث تغطي أغلبية النساء رؤوسهن،
فهل تنجح تركيا «غول» في رفع غول العلمانية عن حجاب المرأة
التركية؟!
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
|