حجاب "خير النساء" يغزو القصر الرئاسي

محمد جمال عرفة – اسلام اون لاين - حماسنا

-------------

 

 

في عام 1998 رفعت "خير النساء" -هذا اسمها- زوجة وزير الخارجية التركي "عبد الله جول" وقتها دعوى قضائية أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ضد الحكومة التركية -مع أخريات- لرفض الحكومة دخول المحجبات للجامعة؛ وبالتالي رفض التحاقها بكلية الآداب بجامعة أنقرة لأنها محجبة، والآن بعدما تولي زوجها رئاسة الجمهورية التركية الثلاثاء 28-8-2007  بعد ترشيح حزبه (العدالة والتنمية) دخلت "خير النساء" ليس فقط الجامعة بالحجاب، ولكن قصر الرئاسة.

 

- ومع أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قضت بأن من حق تركيا حظر ارتداء الحجاب في الجامعات، ورفضت دعوى مشابهة تقدمت بها التركية المحجبة "ليلى شاهين" تقول فيها: إن الدولة تعدّت على حقها الإنساني في التعلم وميزت ضدها بسبب الحجاب، واعتبر قضاة المحكمة بأن حظر الحجاب أمر مبرر لحفظ النظام في الجامعة ولتجنب تفضيل ديانة على ديانة أخرى، فقد استمرت قرابة 1000 امرأة وفتاة تركية محجبة في رفع دعاوى مماثلة يطالبن فيها السماح لهن بارتداء الحجاب.

 

زوجة قائد الجيش.. محجبة!

 

- وأكثر ما يثيره وصول زوجة محجبة لقصر الرئاسة التركي لأول مرة منذ هدم الخلافة الإسلامية العثمانية، هو أن رئيس الجمهورية في العرف السياسي التركي هو قائد الجيش، ولأن الجيش يرفض بقوة السماح بالحجاب، كما أن الرئيس الحالي "نجدت سيزر" الذي تنتهي فترة ولايته في 12 مايو 2007 رفض دعوة زوجات قادة حزب العدالة المحجبات لقصر الرئاسة، كما أن زوجات ضباط الجيش ليسوا محجبات، فسوف يكون تحجب زوجة جول هنا ضربة للتقاليد العلمانية التركية من جهة، وغزوا إسلاميا للقصر الرئاسي يغضب العلمانيين بشدة.

 

- فالسيدة "خير النساء" زوجة جول شأنها في ذلك شأن زوجة رئيس الوزراء "أمينة أردوغان"، تضع الحجاب الذي يثير استياء العلمانيين، وسبق منعها من دخول قصر الرئاسة في الحفلات الرسمية كزوجة لمسئول، أما وقد أصبحت زوجة رئيس الجمهورية نفسه فقد أصبح السؤال بين العلمانيين الأتراك هو: كيف يمكن لرجل تضع زوجته الحجاب أن يصل إلى أعلى منصب في دولة علمانية؟

 

بل إن وصولها لأعلى منصب يفتح بابا للتساؤل مرة أخرى: هل يسعى حزب العدالة والحكومة للاستقواء بهذا الموقف الجديد في تخفيف حدة القوانين التركية التي تمنع المرأة من دخول الجامعات بالحجاب؟ خصوصا أن "أردوغان" يبدي منذ وصول حزبه إلى السلطة عام 2002 رغبته في تليين القانون المتعلق بالحجاب لكن بدون أن يتمكن من ذلك بسبب معارضة المؤسسات العلمانية -ومن بينها الجيش- التي ترى في الحجاب رمزا واضحا على تدخل الدين في السياسة، كما أن تمرير مثل هذه القوانين بات سهلا في ظل وجود رئيس وزراء ورئيس دولة من حزب ذي توجه إسلامي.

 

خير النساء  .. ولطيفة أوساكي

 

وعلى الرغم من الحملة الشديدة التي يشنها العلمانيون الأتراك على "خير النساء" زوجة أول رئيس تركي تدخل قصر الرئاسة التركي (شنقايا) وهي تلبس الحجاب، فإنهم يتجاهلون تماما أن زوجة كمال أتاتورك مؤسس العلمانية التي يدافعون عنها في تركيا وهي "لطيفة أوساكي" كانت محجبة وتلبس الحجاب أو "الشرشف" التركي الأسود الشهير كما يسمى هناك، ويشبه العباءة الخليجية السوداء، والذي لا يزال منتشرا في مناطق تركية متدينة ومحافظة عديدة خصوصا في الشرق وإستانبول.

 

- فقبل انقلاب أتاتورك على دولة الخلافة الإسلامية ودعوته لخلع الحجاب، كان "الشرشف" (الحجاب) هو الزي الرسمي للتركيات، وكانت زوجته لطيفة ترتديه، وتظهر الصور الرسمية لمؤسس الدولة التركية أن لطيفة كانت محجبة وتلبس الشرشف الأسود الذي لا يظهر سوى وجهها فقط ويغطي جسمها بالكامل، قبل أن تخلعه بأوامر من أتاتورك وتلبس زيا أوربيا يظهر شعرها وقسمًا من كتفيها.

- وبدخول حجاب "خير النساء" اليوم الخميس 29 أغسطس 2007 لأول مرة للقصر الرئاسي رغما عن أنف قادة الجيش والعلمانيين، فسيكون هذا الحجاب العصري الجديد الملون هو الوريث الشرعي لـ "شرشف" السيدة "لطيفة" الأسود، زوجة أتاتورك بعد 83 عاما من المنع العلماني للحجاب، ليغزو الحجاب بذلك قصر الرئاسة بعد الحكومة والبرلمان، فيما تنتظر محجبات تركيا أن يسمح به في الجامعات والمصالح الحكومية وفقا للتعديل الدستوري الذي يعده حزب العدالة والتنمية حاليا.

 

وعلى الرغم من القوانين العلمانية التي منعت لبس الحجاب في المدارس والجامعات والمصالح الحكومية فقد ظل "الشرشف" منتشرا في المدن التركية المختلفة وظلت العديد من التركيات تلبسن الحجاب، حتى بلغت نسبة المحجبات مع عودة ظاهرة الإحياء الديني منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى 65% من التركيات، قسم منهن يلبسن الزي القديم (الشرشف) والغالبية تلبس الحجاب العصري الملون.

 

أصل الشرشف

وتؤكد الكاتبة التركية "دفنه بيراق" لـ"إسلام أون لاين.نت" أن هذا اللباس (الشرشف) ظل موجودا منذ الزمن العثماني ولم يتغير، وأنه لا يزال حتى الآن موجودًا في المناطق المتدينة المحافظة في تركيا خصوصا في مدن شرق تركيا والعاصمة إستانبول (منطقة فاتح)، وأن هذا اللباس غالبا يكون باللون الأسود أو الأزرق الداكن، وهو يغطي الجسم كله من أعلى لأسفل.

 

وتضيف أن: الصورة التي تظهر فيها زوجة أتاتورك وهي بدون الحجاب بجوار زوجها ظلت توضع في كتب المدرسة الإعدادية، ولكن مع تولي حكومة حزب العدالة، وتحديدا منذ عام 2005 جرى تغيير هذه الصورة ووضع الصورة القديمة لأتاتورك وزوجته وهي بالحجاب، وهو ما دعا أحد مؤلفي الكتاب الخمسة -وهو علماني متطرف- إلى رفع دعوى قضائية لإلغاء التعديلات التي جرت في الكتاب، ومنها تعديل عن مشكلة الأرمن يدافع عنهم في الكتاب.

 

الشرشف ( الزي التركي القديم )

 

جول: الحجاب حرية شخصية

- ويبدو أن دفاع عبد الله جول وزير الخارجية التركي الذي اختاره الحزب الحاكم لخوض انتخابات الرئاسة عن حق زوجته في ارتداء الحجاب وقوله: "إن هذه حرية شخصية"، وإن "هذه اختيارات شخصية وعلى الكل أن يحترمها" وإنه "لا يوجد قانون يمنع الحجاب في قصر الرئاسة"، يعتبر مؤشرا قويا على الموقف الذي ينوي قادة العدالة مستقبلا التحرك باتجاهه، والمتعلق بتحطيم بعض أوثان العلمانية التركية المتعلقة بالحجاب، مستفيدين من معايير الحريات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على تركيا كشرط للانضمام للاتحاد الأوروبي.

 

- فـ"جول" المشهور بأنه صاحب نظرية التغيير الهادئ، أكد أنه يتمسك بالنظام "المدني" للدولة وذلك في معرض تعقيبه على المخاوف من نهجه الإسلامي، وردا على منتقديه بعد إعلان حزب العدالة والتنمية ترشيحه لخوض انتخابات الرئاسة، وردا على سؤال للصحافيين حول مدى تأثير مسألة الحجاب الذي تلتزم به زوجته على ترشيحه، قال جول: "إن تركيا دولة ديمقراطية وللجميع فيها حق الاختيار". داعيا الآخرين إلى احترام الحجاب الذي ترتديه زوجته وغيرها.

 

ضربة معلم

واللافت هنا أن اختيار حزب العدالة لجول جاء بمثابة "ضربة معلم"، إذ إن معارضي ترشيح أردوغان ركزوا أيضا على "الرموز الإسلامية"، وهو هنا الحجاب، إذ أعلن الرافضون لأردوغان أنهم يرفضون أن تحصل "أمينة" زوجة أردوغان، التي ترتدي الحجاب -الذي يعتبره معظم العلمانيين رمزا لتدخل الدين في السياسة- على لقب السيدة الأولى في تركيا.

ولكنهم نسوا أن خليفته في المنصب جول زوجته أيضا محجبة، وزوجات غالبية قادة الحزب، ومن ثم فسيكون من الصعب معارضة كل مرشحي الحزب لمنصب الرئيس خصوصا أنه الحزب الذي يحظى بأغلبية مقاعد البرلمان، و"جول" سيصبح بالفعل هو الرئيس الحادي عشر؛ لأن حزب العدالة يحظى بأغلبية مقاعد البرلمان الذي سيختار الرئيس (354 من 550) ويمكنه حسم الاختيار له.

 

- بل إن هذا التحرك الذكي لحزب العدالة يسعى للاستفادة كذلك من شروط انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي في إلجام الجيش عن القيام بأي انقلاب مباشرة، كما فعل عامي 1960 و1980، أو حتى يضغط على الحكومة لتقديم استقالتها كما حدث في 1971 و1997 في الحالات التي استشعر فيها خطر تقويض مبادئ العلمانية التركية.

 

فما يزيد قادة الجيش كمدا وغضبا أن قادة العدالة أكثر ذكاء من الإسلاميين السابقين، مثل جماعة أربكان وغيره التي سبق أن دك الجيش التركي العلماني عظامها، فهم يظهرون الولاء للقيم العلمانية الأتاتوركية علنا، ولكنهم يسعون لتغليفها بقيم الحريات والعدالة والمساواة الغربية بما يسمح للقوى أو الأنشطة أو المظاهر الإسلامية أن تتحرر من قبضة التمييز العسكري ضدها.

 

- كما يتحركون بهدوء ويقدمون إنجازات اقتصادية للأتراك في بلد اشتهر بالفساد السياسي والاقتصادي، تثير إعجاب الشعب الذي أعطاهم في الانتخابات البلدية عام 2004 أصواتا أعلى من تلك التي جاؤوا بها للحكم في الانتخابات التشريعية 2002، وهو ما فتح الطريق أمامهم للوصول لأعلى سلطة وهي الرئاسة.

 

ولا يعني أن الجيش التركي أصبح يقف وحيدا ومكبلا أيضا بعد سلسلة القوانين التي وضعها العدالة كي تنطبق المعايير الأوروبية على تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي، أنه سوف يتراجع أمام العدالة، فالمحللون الأتراك يرون أن الجيش وقادة المؤسسة العلمانية ومحاربي الحجاب سوف يلجئون لتكتيك جديد عبر مراقبة الحكومة والرئاسة معا، لضمان عدم خرق قوانين أتاتورك العلمانية، وسيلجئون لإجراءات وتدابير قضائية لردع أي خروج عن المبادئ العلمانية الكبرى، ومنها مسألة رفع الحظر عن الحجاب، ما يعني أن تركيا ستدخل باتجاه حرب تكسير عظام لفرض رموز إسلامية، خصوصا أن وصول زوجة الرئيس المحجبة صاحبة الثأر القديم مع العلمانيين سيقوي موقفهم.

 

 

 

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤